موقع متخصص في الشؤون الإيرانية

من لاهور إلى دمشق.. عودة السهروردي للانتقام من صلاح الدين الأيوبي

للمشاركة:

سجّل الأدب القصصي الإيراني المعاصر محاولات خجولة في أعمال الرواية التاريخية، اعتبرها الكثير من النقّاد ثغرة لا مبرر لها مع وجود تاريخ طويل لدول وحضارات مرّت على هذه البقعة من الأرض، والتي كان من الممكن أن تؤسس لخطوط روائية وشخصيات جذابة ناجحة في هذا النوع الأدبي، حيث يرى الناقد الإيراني قباد آذربين أن “الإمكانيات المتوفرة لكتابة رواية تاريخية في إيران لم تُستثمر بشكل جيد حتى الآن وبأن الروايات التاريخية التي صدرت في القرن العشرين لم تكن سوى محاولة لأدلجة الأدب في سبيل خدمة العنصر القومي بعيداً عن الفن”، وأشهر هذه الروايات التاريخية كانت “مجلس المجانين” لعبد الحسين صنعتي زاده، و “طهران المرعبة” لمشفق كاظمي، و “القدر الأسود” لعباس خليلي.
كذلك فإن رواية “موعد في حلب” للكاتب الإيراني المعاصر جعفر مدرس صادقي كانت إحدى تجارب الرواية التاريخية المعاصرة التي استقت عناصرها في المكان والزمان والشخصيات من بلاد الشام ، فأبدع مؤلفها في الخط العام للرواية بعزفه على إحدى أجمل المراحل التاريخية التي يتغنّى بها الأدب الفارسي، فحلب والشام هما مسرح الشعر الفارسي الذي تغنى به مولانا جلال الدين الرومي وسعدي الشيرازي وغيرهما ممن ساهموا في تأسيس هوية الأدب الفارسي الكلاسيكي.
نجاح الكاتب في اختيار عناصر روايته التاريخية كان كافياً لإثارة رغبة القارئ للمضي في صفحاتها على الرغم من الحبكة الضعيفة التي تعثرت بها مجريات القصة، لربما كانت “موعد في حلب” من أنجح الروايات التاريخية المعاصرة لو وظف فيها الكاتب إبداعاً أكثر في ربط الأحداث ليرتب الفكرة الجميلة التي أوجزها في 126 صفحة بأسلوب أكثر تشويقاً.
افتتح الكاتب الإيراني جعفر مدرس صادقي روايته “موعد في حلب” بمصرع لسعدي الشيرزاي من كتاب كلستان يقول “عندما تقع الفتنة في الشام” مشرّعاً أبواب التأويل لرواية اقترنت باسمها ومكانها وشخصياتها بأحداث تخلط أوراق الزمن بطريقة تخيلية أبدع فيها الكاتب في بعض الزوايا وتعثر في أخرى.
عام 2005 أصدرت دار مركز للنشر والطباعة في طهران رواية “موعد في حلب” للكاتب المعروف بغزارة إنتاجه جعفر مدرس صادقي (1954م) ، اختار الكاتب لقصته شخصيات تاريخية إسلامية بقالب معاصر تلعب أدوارها في ذات الأماكن التي كانت تعيش فيها خلال القرون السابقة وهي حلب والشام، تسافر الرواية بقارئها في الزمان والمكان نحو عالم يمتزج بين الواقع والخيال، ويتأرجح بين “ماذا يمكن أن يحدث؟” و “ماذا لو حدث؟” في قصة غريبة لا يوجد فيها أي شخصية إيرانية، في المقابل جاء طابع التدوين القصصي إيرانياً بامتياز، بعيداً عن الاتجاهات الحديثة الرائجة في القص المعاصر.
لم تكن للرواية أن تفتح باب التساؤلات عن أسلوب الإسقاطات التاريخية التي اتبعها الكاتب لولا تلميحات اعتمدها في مطلع الرواية، ليقارن بين ما تحمله للقارئ من حكاية، وبين ما نقله له الموروث الديني من روايات تحكي عن آخر الزمان في الشام، ووقوع الفتنة بين المسلمين.
يصل أحمد لاهوري المجاهد الباكستاني المسلم إلى دمشق للقيام بعملية تبادل أسرى مع مجموعة مجاهدين فلسطينيين، لينقذ فيها تلميذه مشتاق المعتقل لدى الفلسطينيين في دمشق بتهمة الخيانة بعد نشاطه في حركة “النهضة” لثلاث سنوات ونصف، تمكّن فيها من جذب الكثير من المتطوعين للتدرب في معسكرات افغانستان.
مع وصول أحمد إلى دمشق يستعيد شخصيته القديمة، فهو شهاب الدين السهروردي الذي عاش في حلب في القرن الثاني عشر ميلادي، تتكشف شخصيته رويداً رويداً مع عودته إلى شوارع دمشق القديمة فيستذكر أين كان يمشي وكيف كانت الشوارع في الماضي، يرى أن الأوضاع السياسية أشبه لما كانت في زمنه، فصور الرئيسين حافظ الأسد وبشار الأسد تذكره بكيف كان يحكم الأب والابن معاً في تلك الأيام فكان صلاح الدين الأيوبي في الشام وابنه الملك الظاهر غياث الدين في حلب.

“اختار الكاتب لقصته شخصيات تاريخية إسلامية بقالب معاصر تلعب أدوارها في ذات الأماكن التي كانت تعيش فيها خلال القرون السابقة وهي حلب والشام”

يتبادر للقارئ بشكل طبيعي تنظيم القاعدة مع كل إشارة لحركة النهضة كما سماها الكاتب، فهي تشكيل إسلامي يضم في صفوفه المسلمين من كل العالم، يعملون معاً بمعسكرات تنظيمية في أفغانستان، يتفاخر أحمد شهاب الدين عندما يلتقي بالملك صلاح الدين الأيوبي خلف سوق الحميدية بهذا التنظيم فيقول: (لدينا في معسكراتنا شباب من كل أنحاء العالم، من أندونيسيا واليابان ومصر ومدغشقر والأردن وحتى بريطانيا وأمريكا.. من كل شاب نصنع معسكر نصنع قنبلة.. علينا أن نتحول نحن أنفسنا إلى أسلحة تعبر كل نقاط التفتيش في العالم لنصل إلى ما نريد)
يظهر الأخير صلاح الدين الأيوبي خلال عملية التبادل ليفتح باب الحوار القديم الحديث بينه وبين من أصدر أمراً بقتله منذ مئات السنوات، يحاول شهاب الدين أو أحمد الدفاع عن نفسه ويشرح للملك كيف فعلت بهم الوشاية ونقلت عنه ما لم يفعل، فينتقل الحوار بين الشخصيتين حول الخيانات والتنظيمات البالية والحقيقة بإسقاطات تاريخية بين اليوم والماضي فالأوضاع كما صورها الكاتب لم تتغير بين المسلمين بعد، فنرى مشتاق تلميذ أحمد الذي تكبد عناء السفر لأجله يشكك بأستاذه ويخونه كما لو أن الوشاية ما زالت تدور في حلقة مفرغة عبثية بين المسلمين.
ينتهي اللقاء بين صلاح الدين وشهاب الدين بضربة جديدة يوجهها الأول للثاني وفشل لعملية التبادل مع إصرار المشرف على العملية “ناصر افغاني” على نجاحها، وناصر هذا يحمل الجنسية الأفغانية والباكستانية والعراقية والسورية ويعمل سائق تاكسي في دمشق، رتب لقاء التبادل مع التنظيم وانتهى بحضور الشرطة السورية بسبب مقتل “مشتاق” وسط دمشق قبل لحاقه بمعلمه أحمد.
تحمل الرواية الكثير من الرموز غير الواضحة، فأحمد لاهوري منذ لحظة وصوله إلى دمشق يستذكر معلماً له في حلب ما زال مثله على قيد الحياة يقبع في شقة وسط المدينة يزوره فيها تلاميذه، لكن للمعلم ولتلاميذه صفات خارقة، فنرى أحمد يقفز من أعلى الفندق نحو الشارع وهو يلقن نفسه عبارات المعلم عن القدرات الكامنة في المجاهد، فيصل سالماً إلى الشارع ويهرب من الشرطة التي جاءت تستفسر عن حادثة قتل مشتاق، كل ما يفكر فيه أحمد بعد فشل إحضاره لمشتاق معه إلى لاهور هو ما سينتظره من عقوبة هناك، والتهم التي ستوجه له.
على الرغم من المهمة التي جاء لأجلها إلا إننا نراه يفكر في تفاصيل غير مهمة فيبحث عن قبعة تقيه من المطر طيلة طريقه ثم يضيعها في نهاية المطاف، أو أنه يتوقف عند كل بائع أطعمة ليفكر في كسر صيامه وتناول بعض الحلويات، أو يرغب بالتحدث إلى فتاة حسناء وهو الصوفي المجاهد في الوقت ذاته.
يكشف الحوار بين أحمد لاهوري وبين ناصر افغاني منسق العملية عقدة القصة، فالثاني يوضح للأول خطأه في عملية التبادل، فيقول له: “خطؤك هو أنك لا تثق بأحد غير نفسك، عدم الثقة تجر عدم الثقة، والثقة تجر الثقة”، فما قام به أحمد هو تغيير مكان عملية التبادل مما أثار شكوك الطرف الآخر للعملية، وحتى مشتاق تلميذه الذي كان يثق به ثقة عمياء لدرجة أنه رفض أن ينفذ أي أمر حتى يأتي معلمه ويمنحه الأمان ويعيده إلى لاهور.

يختتم الكاتب قصته بلقاء عابر بين البطل وشباب من دمشق يروي لهم قصته الحقيقة كشخصية خالدة منذ ثمانية قرون ويحدثهم عن الصراعات التي دارت وما زالت تدور بين مدرسته وبقية المدارس وكيف سيشارك في حرب صليبية أخرى لينتصر، يسخر الشباب منه كمجنون يعيش في الماضي ويتقمص دوراً انتهى، فيما يرغبون بإكمال الحديث معه للتمرن على اللغة الانكليزية مع أجنبي عابر فهي الفائدة الوحيدة من هذا الحوار بالنسبة لجيل يرغب في التطور.
نجح الروائي جعفر مدرس صادقي في خلق حوارات تصلح لزمننا اليوم ولثمانية قرون سابقة، مسقطاً إحداثيات المكان والزمان بطريقة ذكية، لكنه تعثر في إيجاد حبكة قوية تجذب القارئ، فلم يستثمر الفكرة بشكل أفضل مع وجود مقومات يمكن لها أن تدعم هذه الرواية فترقى بها، ولا سيما مع تراكم الأحداث اللاحقة في سوريا بعد عام 2011 ونشاط المجموعات الإسلامية في بلاد الشام.
دمشق في هذه الرواية واقعية جداً، نقلها الكاتب بكمّ كبير من المعلومات ودقة تعكس قراءة جيدة لصورة دمشق في كتب التاريخ وشوارعها اليوم، فلعبت بأزقتها البطولة الأقوى في الرواية التي لم تحمل اسمها، فتعمّد الكاتب ربط روايته باسم حلب على الرغم من أن أغلب أحداثها في دمشق، ويعود أيضاً لرغبة إثارة التأويلات بين الرواية الدينية وروايته، فلحلب مكانة خاصة في الوعي الجمعي الإيراني ويحلم الجميع بزيارتها.

جاده ايران واتساب
للمشاركة: