موقع متخصص في الشؤون الإيرانية
قراءة طويلة آمالجمعة 12 أبريل 2019 16:54
للمشاركة:

الزواج المبكر في إيران… ناهيد ليست أول الضحايا

جاده إيران- شيرين سمارة

قوانين الأوضاع العائليّة في إيران مازالت تثير الجدل، ومن أبرزها قانون العائلة الذي تنقّل مرات ومرات بين السلطات الثلاث، ومجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص النظام، وقانون خفض سن الزواج الذي كان أيام حكم الشاه ١٨ عاماً، ليصبح ٩ سنوات مع انتصار الثورة ثم ليعود فيرتفع إلى ١٣ عاماً، وحاليا يتم مناقشة رفع هذا السن عما هو عليه أيضاً.

هذا الموضوع الجدليّ علّقت عليه الأستاذة الجامعية ورئيسة الهيئة الإدارية لشبكة مساعدة عمالة الأطفال فاطمة قاسم زاده، قائلةّ إنه وفقاً لعلم النفس “يتم سلب أهم الحقوق الأساسية للأطفال عندما يعتبر القانون سن التاسعة حدّ انتهاء مرحلة الطفولة”. ومن الحقوق المسلوبة وفق قاسم زاده: النمو بشكل طبيعي والتعليم والصحة والحياة الطبيعية، خصوصًا أنّ الزواج والإنجاب في هذا السن يؤثران على الصحة والسلامة الجسدية والنفسية للفتيات على نحو كبير.

وفي حديثها لمجلة “جشم اندازايران” تشير قاسم زاده إلى ازدياد ظاهرة الزواج المبكّر للفتيات بين العائلات الفقيرة، وتؤكد أنّ الحالة المعيشية من أهم العوامل التي تعزّز هذه الظاهرة، كما تشدّد على أنه “لا يمكن اعتبار الأعوام التسعة الأولى كافية لمرحلة الطفولة عند الفتيات في مجتمعنا، لأنّه ليس سن بداية مرحلة الشباب أيضاً وفق تصنيفات علم نفس النمو، لذلك يتوجب علينا البحث عن المعايير التي تم على أساسها تحديد سن انتهاء مرحلة الطفولة”.

ورأت قاسم زاده أن إيران تخالف اتفاقية حقوق الأطفال التي انضمت إليها عام 1989 وصادقت عليها الدول الموقّعة. وبحسب الاتفاقية فإنّ الطفل يُعرّف بأنه: “كل شخص تحت عمر الثامنة عشر لم يكن بلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب قانون الدولة”. وبناء على غيّرت الدول الأعضاء في الاتفاقية قوانينها وفقاً لهذا التعريف، وتعدّ تونس من أبرز الأمثلة، إذ تؤكد القوانين هناك أن السادسة عشرة هو سن انتهاء مرحلة الطفول بالنسبة للجنسين، ولكن إيران وافقت على الاتفاقية بشكل مشروط، من دون أن تعلن عن شروطها حتى بعد مرور عقود عدة من الزمن.

وفي هذا الإطار تتصدر مدينة “قوجان” ذات الـ 101 ألف نسمة، وهي إحدى مدن محافظة خراسان الرضوية، وتحتل المرتبة الأولى من حيث الزواج المبكر وفقا لإحصائياتمساعدة شؤون المرأة والأسرة في رئاسة الجمهورية لعام2018، حيث بلغ عدد حالات الزواج المبكر 6759 حالة بين سنّي الـ 10 و14 للفتيات وعمر الـ15 إلى 19 سنة للصبيان. كذلك تظهر هذه النتائج في الدراسة التي أعدّها عالم الانثربولوجيا “كاميل احمدي” حول الزواج المبكر عام2017، حيث كانت محافظة خراسان الرضوية ضمن سبع شملتها الدراسة.

وتحتلّ محافظة آذربيجان الشرقية المرتبة الثانية من ناحية أعلى نسبة للزواج المبكر، حيث بلغ عدد الحالات عام2018 نحو 3348 حالة زواج بين 10 و14 سنة، وذلك وفقاً للدراسة نفسها التي أشارت إلى أنّ الفتيات في سن الثانية والثالثة، تتم خطبتهنّ وفقاً لتقليد يسمى “ناف بُرى”، وهو تقليد يتم من خلاله تزويج الأطفال. فتقريباً لا يوجد طفل أعزب فوق سنة الخامسة في القرى في تلك المنطقة، ويتطور الحديث في هذا الملف، لنجد طفلاً حديث الولادة في “غليك اباد” عمره 6 أشهر وجرت خطبته.

محافظة سيستان وبلوتشستان مع تسجيلها ٢٣٥٥ حالة زواج بين 10 و14 سنة، في عام 2018، احتلّت في تلك الدراسة المركز الثالث، واللافت أنّ أكثر الزيجات لم يتم تسجيلها لأسباب مختلفة.

الزواج المبكر في إيران... ناهيد ليست أول الضحايا 1

قصة آذرية

آسيا ومحمد اثنين من أصل 3664 شخص يعيشون في قرية سهلان التابعة لمدينة تبريز. منذ أيام زوّج محمد ابنته ذات الثلاث عشرة سنة وفقاً لمراسم وتقاليد القرية، حيث خلا العرس من أي طعم للفرح. محمد في الأربعين من عمره وزوجته الأولى سعدية في الثلاثين، تزوجها أيضا عندما كان عمرها ثلاث عشرة سنة، وقد تمت خطبتها عندما كانت في سن الثالثة فقط. وبعدما أنجبا ثلاثة أولاد، قرر محمد الزواج مرة ثانية من فتاة صغيرة، آسيا، ولديه منها طفلتان، وهو يعمل سائق سيارة أجرة ويجني شهرياً مليون تومان.

يعلّق محمد على نمط حياته بالقول: “أشعر أنني فقدت حياتي وقضيتها وراء الزواج والأولاد، ولم تكن حياة سهلة ولم أكمل دراستي”، لافتاً إنه حالياً يقضي ثلاثة أيام في الأسبوع مع آسيا وثلاثة أيام أخرى مع سعدية، بين شجار زوجتيه والقيل والقال.

قصّة بلوشية

لم ينم أحمد تلك الليلة، عندما علم أن زوجته ناهيد الصغيرة التي لا يتجاوز عمرها الثلاث عشرة عاما حامل. بقي حائراً يفكر كيف يحصل على عمل.في إحدى الليالي اشتد ألم ناهيد. لم تعرف الهدوء، وكان أحمد لا يعرف ما يقدمه لها سوى تمسيد رأسها بيده محاولا تخفيف ألمها الذي يفوق طاقات طفلة. لكنّ هذا الأمر لم يكن ليخفف آلامها، راح زوجها يتمتم ببعض الكلمات كـ”ألمك لي ولروحي” لا تسمن ولا تغني من جوع، بالنسبة لطفلة لا يفصل بين ولادتها هي وولادة طفلها الأول سوى ١٣ عاماً. قبل تسعة أشهر تحملت ناهيد ألماً قد لا يكون مشابها لآلام الولادة، ولكنه يفوق طاقات وقدرات طفلة. في “يوم الزواج”، لم تكن الفتاة تعلم أنّ ما بدأ بزغاريد سيِختتم بحيرة وخوف وألم.

كيف لها أن تعلم وأمها لم تحكِ لها عن هذه الليلة شيئاً، ولم تفعل سوى أن أعطتها قطعتين من المناديل البيضاء طبقا لعادات وتقاليد البلوش. كيف لطفلة أن تدرك ما معنى ذلك وأمس كانت تلهو وتركض في الشارع وأثقل ما لامسها تراب الأرض. بالطبع أحمد في هذه الليلة لم يدرك ألم وعذاب ناهيد، حتى جاء يوم الولادة.

ناهيد حملت منذ الليلة الأولى، وبعد تسعة أشهر عندما أتمت الثلاث عشرة، حان موعد الولادة. يقول أحمد: “عندما اشتدّ الألم ساعدتنا أمي وأختي لننقلها إلى المستشفى، بقينا ننتظر، ولكن توفِّيَ الطفل وقال لنا الطبيب: “إنها صغيرة على الحمل والولادة، ودعانا إلى تجنب جعلها تحمل مرة أخرى في وقت قريب”. لكنّ العادات والتقاليد تتعارض مع كلام الطبيب، وينبغي على ناهيد الحمل مرة ثانية وإنجاب طفل للعائلة، لذلك قامت الأم والأخت بإخفاء أقراص منع الحمل التي أوصى بها الطبيب”.

وبالطبع لم يكن لدى أحمد ذي الخمس وعشرين سنة أية حيلة أمام عائلته، فيستذكر تلك الفترة بقوله: “عندما قررت أخذ ناهيد من الشارع وقنوات المياه في زاهدان، حيث كانت تلهو، وددت أن أكون أمانها الأول والأخير. أحببتها كثيراً ولكنها كانت تتصرف كالأطفال، كنت أضربها باستمرار كي تسمع كلامي وتفهمني وأسألها دائماً لماذا تبتعد عني؟”.

لم تجهض ناهيد مرة واحدة وإنما ثلاث مرات، والسبب واحد. صغر سنها. في إحدى عمليات الإجهاض طُلب من الفتاة وهي ذاهبة إلى الطبيب أن تقول إنها كانت تلعب بالشارع مع الأطفال وسقطت على الأرض، مما أدى إلى الإجهاض. وفي المرة الثالثة التي تمنّى فيها أحمد أن يصبح أباً، اتجّه إلى المستشفى مصطحباً ناهيد، وهناك سمع الأخيرة تقول للطبيب إن والدة زوجها ضربتها وسقط الجنين.

كان أحمد يتألم من تصرف والده ووالدته مع زوجته حيث كانا يتذمران دوماً من سلوكها الطفولي، ولكن ليس بوسعه فعل شيء. في بداية زواجه كان عمره ثماني عشرة سنة، ويقول عن تلك الأيام “لم أكن صغير السن وعقلي ناضج، كنت أعلم أنها طفلة. كان الزواج برضىً مني ولكن قلبي كان يريد عروساً طفلة كي أربيها وتكبر بين يدي”. اليوم ناهيد عمرها ٢٥ عاماً ولديها خمسة أولاد. عندما تتذكر الماضي تلتفت إلى أحمد وتقول له “إقرأ لي الشعر” لتسمع أحمد يردّ “إخجلي لدينا خمسة أولاد الآن”.

راتب أحمد اليوم مليون تومان، أي أقلّ من مئة دولار، وينوي تزويج بناته الثلاث بعد سنة او سنتين عندما يبلغن سن الثانية عشر أو الثالثة عشر، لأنّه لا يملك المال لإعالتهنّ او تعليمهنّ، يقول “ليس لديّ المال لكي أملأ بطون أولادي. يتزوجن باكراً كي أستطيع التنفّس قليلاً”. هذا ما تعارضه ناهيد التي تردّد بخجلٍ أمام مسامع زوجها “يا ليتك لم تأتِ. يا ليتك تركتني أعيش حياتي. يا ليت لو كان المستقبل شيئا آخر”.

أحمد وناهيد زوجان من آلاف الأزواج الذين سُجِّلت أسماؤهم ضمن قائمة الزواج المبكر، ولكن مع مرور الوقت قد يصبحون طي النسيان. ففي السنة الماضية تم تقديم مشروع بصفة عاجلة للبرلمان الإيراني، من أجل رفع سنّ الزواج، وبسبب معارضة كثيرين داخل وخارج المجلس أوقفت اللجنة القضائية المشروع.

الزواج المبكر في إيران... ناهيد ليست أول الضحايا 2

قانون جدليّ

وفي هذا السياق اعتبر المسؤول الثقافي في مركز بحوث البرلمان الإيراني سينا كلهر، أنّ الموافقة على خطة رفع سن الزواج إلى ثماني عشرة سنة، ستجعل البلاد تواجه مشاكل عديدة، منها أزمة جنسية، وسيعاني العديد من اليافعين والشباب من مشاكل جسدية وجنسية، كما أنه ستتأثر مؤسسة الأسرة بهذا القرار ويقل عددها، كما ستتفاقم برأيه أزمة عدد السكان في إيران حال تمت الموافقة على الخطة.

وبرأي المتخصص في القضايا الاجتماعية بدرام كاويان، فإنّ هذا النوع من الزيجات خاص بسكان أطراف المدن، وهو عبارة عن سلوك اجتماعي لا كنتيجة للفقر، مضيفاً أنه من السهل تطبيق خطة رفع سن الزواج إلى سن الثامنة عشرة في المدن الكبيرة، خلافًا للأرياف والمناطق الحدودية. لكنّ كاويان يلفت إلى أنّ اعتماد قانون كهذا سيؤدي إلى عدم تسجيل الكثير من حالات الزواج، وأنّ 50% من هذه الحالات في بعض المدن تحدث تحت سن ال 15و19، وفي حالة القانون مُنع هذا النوع من الزواج ستكون هناك مشاكل قانونية مثل النفقة والمهور، وفق قوله.

تغير قانون سن الزواج بالنسبة للفتيات خلال الأربعين سنة الماضية مرات عدة، بينما حافظ قانون الصبيان على معياره وهو خمس عشرة سنة حتى يومنا هذا. يجد البعض القانون مجحفاً بحق الفتيات ويحمل نوعاً من التمييز مقارنة مع الصبيان، فيما يرى آخرون هذا السن غير مناسب لبناء أهم ركن في المجتمع، ويتساءلون كيف يمكن لأطفال بناء أسرة بينما لا يحق لهم تقاضي شهادة قيادة أو جواز سفر أو الخروج من البلاد أو انتخاب رئيس جمهورية أو التوجه للخدمة العسكرية؟ هل كل ما سبق يحتاج إلى فنون ومهارات وقدرات أكثر من الزواج؟ أسئلة بقيت بلا أجوبة حتى اليوم في إيران.

الزواج المبكر في إيران... ناهيد ليست أول الضحايا 3

جاده ايران واتساب
للمشاركة: