النوروز... أكثر من عيد تقارير وحوارات عنوان رئيسي

تحضيرات نوروز إيران .. أعباء اقتصادية في ظلّ العقوبات

النوروز... أكثر من عيد- تقارير

جاده إيران- محمد علي

اعتادت إيران على اكتظاظ أسواقها بالمتبضعين وخاصة البازارات الشعبية الكبيرة قبل أسابيع من حلول رأس السنة الشمسية أو ما يسمى بعيد النوروز، وهو العيد الأهم لدى الإيرانيين.
لكن نوروز هذه السنة لم يشهد زخم التبضع كما جرت العادة، فهو العيد الأول منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في أيار/مايو 2018 ثم عودة العقوبات الأمريكية المفروضة ضد إيران في تشرين الثاني/نوفمبر.
قبل أيام قليلة فقط من حلول العيد الذي تبدأ عطلته الخميس القادم وتستمر ثلاثة عشر يوماً، بدأ الإيرانيون بالنزول للأسواق، ولوحظ إقبالهم في مدينة طهران مثلا على الباعة الجوالين أكثر من تسوقهم في المحال، ولعل السبب يعود لاضطرارهم لشراء بعض الحاجيات بأسعار أقل.
هذا الأمر يرتبط بتراجع القدرة الشرائية للشارع الإيراني، في ظل ارتفاع أسعار صرف الدولار أمام العملة المحلية.

وقد أعلن مركز الإحصاء الإيراني الرسمي عن وصول معدل التضخم الاقتصادي إلى 42.3% في السنة المالية التي انتهت في 20 شباط/فبراير الماضي، ما جعل الأسعار ترتفع بمعدلات تفوق الثلاثة أضعاف مقارنة بالعام الفائت، وهو ما يرتبط بعودة العقوبات من جهة، وبسوء إدارة الأزمة داخلياً من جهة أخرى.

سلّة غذائية ثقيلة
اعتاد الإيرانيون على شراء كميّات من السلع الغذائية من قبيل اللحوم و الفواكه والمكسرات، تحضيرا لفترة العيد ولاستقبال الزوّار.
لكن التضخم الاقتصادي الذي تشهده البلاد في الوقت الراهن، تسبّب بارتفاع أسعار جميع المنتجات، بالتزامن وازدياد المخاوف المجتمعية حيال نقص السلع الأساسية.

هذا أدى لاتجاه البعض نحو شراء كميّات من السلع وتخزينها، واحتكار بعض التجار أحيانا لذات البضائع الغذائية، واضطرار الطبقة الأكثر فقرا إما للتوجه للمؤسسات الاستهلاكية والوقوف في طوابير للحصول على اللحوم مثلا بأسعار أقل، أو لتقليص حجم سلّتهم الغذائية قُبيل العيد.
صحيفة “آرمان امروز” كانت واحدة من منابر الإعلام الإيرانية التي رصدت هذه الأزمة، وأفادت في تقريرٍ خاصٍ أن سعر السلّة الغذائية الضروريّة لتلبية حاجة الأسرة الإيرانية الواحدة ارتفع بنسبة 73.07% خلال العام الإيراني الذي ينتهي في 20 آذار/مارس، وأصبح الحدّ الأدنى للمصروف الذي تحتاجه الأسرة ثلاثة ملايين و759 ألف تومان أي ما يعادل 285 دولار تقريبا، فيما يتراوح متوسط دخل الأسر في المدن الكبرى بين 600 ألف تومان (45 دولار) و 7 ملایین تومان (530 دولار)، وهذا وفقا لوزارة التعاون.
ذات التقرير يوضح وجود فروقات كبيرة في متوسط الدخل الشهري، وهو ما من شأنه توسيع الشرخ الطبقي في المجتمع كذلك، وهذا يظهر جليا خلال تحضيرات العيد، فشراء بعض الحاجيات أصبح حلما يثقل كاهل البعض، بينما يستطيع آخرون تأمين الحد الأدنى منها ولو بأسعار باهظة.
جاء في تقرير ثانٍ لموقع “مشرق نيوز” أن أسعار اللحوم ارتفعت بنسبة 17 % خلال أسبوع واحد فقط، وزادت بنسبة 93 % مقارنة بالعام الماضي.
المعادلة تختلف قليلا بالنسبة لبعض أنواع الفاكهة، والتي سجّلت انخفاضا نسبيا في أسعارها لأن الطلب عليها قلّ.

كل ذلك يترك تبعاته على الجميع، من المواطنين والتجار على حد سواء، وصحيح أن البعض في الشارع يقول إن التجار لا يتضررون كثيرا إثر غلاء الأسعار، لأنهم يساهمون برفع قيمة السلع التي اشتروها بسعر منخفض في وقت سابق، لكن هذه الفئة تشتكي أيضاً، وما إغلاق بعض مطاعم الكباب وغيرها من المطاعم الإيرانية، وانخفاض معدلات بيع المكسرات والحلويات في موسم كان من المفترض أن يحقق أعلى المبيعات، إلا نتيجةً لوضعٍ اقتصادي صعب، يتسبب كذلك بإغلاق مصادر الرزق أو تسريح أعداد كبيرة من موظفيها، وهو ما يعني وقوع كساد مرتقب وارتفاع في معدلات البطالة، وتراجع الاستثمار وبالتالي تأثّر معدل النمو الاقتصادي سلبا.

لنقاطع المكسّرات!
بين محلٍ وآخر، تختلف أسعار المكسرات، التي يجب أن تُقدّم على طاولة الإيرانيين في العيد، وعلى سبيل المثال، كُلّما اتجهنا جنوبا في العاصمة طهران، انخفضت أسعار المكسرات، وجودتها أحيانا، وقد تكون قيمتها أفضل في البازارات الشعبية، لكنها بكلّ الأحوال لم تعد أسعارا مناسبة بالنسبة لكثيرين في البلاد.
لهذا السبب، انتشرت في بعض المدن الإيرانيّة دعوات لمقاطعة المكسّرات الباهظة الثمن، وحتى غيرها من البضائع التي أصبح شراؤها عبئاً على المواطنين من جهة، وعاملا يعزز الفوارق الاجتماعية من جهة ثانية.
مقاطعة المكسّرات ليست ظاهرة جديدة على المجتمع الإيرانيّ، حيث توقّف الإيرانيون عن شرائها خلال سنوات الحرب في ثمانينيات القرن الماضي كما نقل موقع “عصر ايران”.
وقد علت أصوات المقاطعة في شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي أيضا، حين احتفل الإيرانيون بليلة يلدا وهي الليلة الأطول في العام، إلا أنها لم تلقَ استجابة ملحوظة في الأسواق، فرغم الغلاء لا يمكن للإيرانيين إلا أن يشتروا هذه السلعة، فإما أن يقللوا الكمية، أو أن يلجأوا للمناطق التي تبيعها بأسعار أقل.

الملابس والسفر.. في ذات الدوامة
أحد التجار ويدعى منصور كياني من سوق “شهركرد” أشار خلال تحقيق صحفي لوكالة “نادي الصحفيين الشباب” إلى زيادة أسعار الملابس خلال الأشهر الماضية بنسبة 80%، معتبرًا أن قدرة الشعب الشرائية انخفضت إلى الثلث مقارنة بذات الموسم في العام الماضي.
ونقل ذات التحقيق الصحفي أن أسعار الملابس المحلية الصنع ارتفعت بمعدلات تتراوح بين 60 و 120%، أما المستوردة فزادت أسعارها ما بين 100% إلى 150% .

هذا بدوره ساهم بزيادة العبء على المواطن الإيراني الذي يتجهز للعيد بشراء ملابس جديدة.
من ناحية أخرى، كان السفر خارج إيران أو حتى داخلها، عادة إيرانية معروفة في موسم العيد.
وصحيح أن الحكومة ثبّتت أسعار تذاكر القطارات ومنعت زيادتها خلال أيام النوروز، لكن بعض مكاتب السياحة تؤكد انخفاض معدلات الحجوزات لهذا الموسم، ومن سيقرر السفر داخل إيران فيمتلك غالبا مكانا للإقامة في مسقط رأسه أو في الأرياف، وهذا ما شهدته البلاد كذلك العام الماضي، فلم تخلو مدينة طهران مثلا خلال إجازة العيد، وهي التي كانت تتحول في سنوات سابقة لمدينة شبه فارغة، ويتوقع أن يتكرر الحال في هذه السنة لارتفاع التكاليف بشكل عام، لا أسعار تذاكر النقل بالذات.

اترك رد