قراءة في كتاب الذكرى الأربعين للثورة عنوان رئيسي

قراءة في كتاب “إيران من الداخل” للكاتب فهمي هويدي

خاص- جاده إيران

يُعتبر الكاتب المصري فهمي هويدي، من أوائل العرب الذين زاروا إيران بعد انتصار الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني عام 1979، ووفقاً لرواية هويدي فقد كان على متن أول طائرة مدنيّة حطّت في مطار مهر آباد في طهران بعد انتصار الثورة.
بيّن الكاتب في مقدمة “إيران من الداخل” أنّ كتابه هذا ثمرة لعمل دؤوب، استغرق فيه سبع سنوات زار خلالها إيران أربع مرات، فوثّق أهم المراحل التي مرت بها الثورة خلال الأعوام السبعة الأولى من عمرها.
صدرت الطبعة الأولى من الكتاب عام 1987م، من مركز الأهرام للترجمة والنشر، ويتألف من 400 صفحة، وصدرت منه أربع طبعات، آخرها تلك الصادرة عام 1991م، والمتوفرة حاليا في المكتبات، فضلا عن توفّر نسخة إلكترونية.
رأى هويدي أن الثورة الإيرانية كانت حدثاً مهمّاً، وتوقّع انعكاس تداعياتها على صميم الجسم الإسلامي، واصفاً إياها بالمحاولة الأولى لإقامة دولة إسلامية بعد الخلافة العثمانية، وأنها أول ثورة زلزلت واحداً من عروش الطغيان في العالم، بحسب تعبيره.
يتضمّن الكتاب ثلاثة عشر فصلاً، وجاء الفصل الأول بعنوان “قبل أن يُرفع الستار”، ويستعرض أسماء أهم رجال الدين الإيرانيين الذين تمرّدوا على السلطات الحاكمة والتي سبقت النظام البهلوي، ومنهم المرجع محمد حسن الشيرازي صاحب فتوى تحريم التبغ، التي واجهت الشاه ناصر الدين القاجاري.
ثم تطرّق الكاتب إلى تنقلات عائلة الخميني وأبرز أنشطة هذا الرجل ضد حكم الشاه محمد رضا بهلوي، كما لفت إلى وجود بعض المنظمات الثورية التي تم تأسيسها في تلك الفترة أيضاً كـ “فدائيان اسلام” ودور نوّاب صفوي في ذلك، بالإضافة إلى شرحه لنشاطات أغلب رجال الدين الذين شاركوا في تلك المرحلة من النضال.
خلال هذا الجزء من الكتاب، يعرض هويدي حالة الانقسام التي طالما اعترت صفوف رجال الدين الشيعة فيما يخص مواقفهم من الدخول في عالم السلطة والسياسة، وبيّن هنا أبرز المراجع الشيعية التي تناقضت آراؤها في ذاك الزمن.
في فصله التالي “عندما تكلم السيّد من قم”، يسرد هويدي بشيء من التفصيل ما حصل عام 1961، وكيف تمكّن الخميني من حشد الشارع خلفه رفضاً للقوانين الجديدة ونجاحه في إسقاطها، حتى لحظة النفي إلى أنقرة في الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1964، إثر معارضته العلنية لقرار امتياز الحصانة الذي منحه الشاه للأميركيين.
وفي الفصل الثالث الذي حمل عنوان “من التصالح إلى المواجهة”، عاد هويدي ليتحدث بإسهاب عن دور الفقهاء الشيعة في الحياة السياسية، بدءاً من العهد الصفوي الذي شهد بمجمله تصالحاً بين السلاطين والفقهاء، حتى مرحلة المواجهة التي بدأت بتحرّك رجال الدين في زمن الدولة القاجارية لمواجهة الاحتلال الرّوسي للقطاعات الشمالية من إيران.
بعدها يبدأ الكاتب بالإشارة إلى مراحل العمل السياسي عند الشيعة في مرحلة ما قبل انتصار الثورة الإسلامية، ويتحدث عن انقسامهم إلى إخباريين يلتزمون بتقاليد المذهب، وعدم المشاركة في الحياة السياسية، وأصوليين تجاوزوا حدود المذهب فركّزوا على القواعد الإسلامية وطوّروا في الفروع.
ويشرح هويدي أكثر عن آراء الفريق الثاني في فصل جاء بعنوان “نهاية عصر الانتظار”، فرأى أن الخميني ارتكز في فكرته على محورين، الأول يعتبر أنه لا بديل عن تشكيل حكومة إسلامية، والثاني يرى أنّ المسؤولية في ذلك تقع على الفقهاء.
ويجزم الكاتب بأنّ قائد الثورة في إيران لم يكن أوّل الساعين لأنّ تعطي الولاية للفقهاء صلاحية الإمامة ووظائفها، لكنّه يؤكد أنّ الخميني صاحب الفضل الأول في إقحام الساحة بهذه الفكرة في الظرف التاريخي المناسب، فضلاً عن أنّه الوحيد الذي استطاع أنّ يضع ترجمة عملية مباشرة لذلك.
ولفت هويدي لخلاف بين المقتنعين بالولاية أيضا، يتعلق بكونها مطلقة أم مقيّدة.
يسلّط الكاتب الضوء في فصول لاحقة على المعاناة التي واجهها الخميني مع مراجع قم، والخلاف على مسألة الولاية المطلقة، وإقامة الدولة، ويتطرّق لمسار التحوّل في نظرة الإمام الخميني حول تولي الفقهاء للمسؤوليات في الدولة، فبعد أن منعهم من التصدّي للمسؤوليات في الدولة سارع لاحقاً للعدول عن هذا التوجّه بسبب التجربة القاسية التي حصلت مع غير الفقهاء.
يُبرز الكِتاب أنّ إحدى أهم المشكلات التي واجهت الثورة تتعلق بغياب الكوادر البشرية، وبحسب هويدي فإنّ هذا ما قصده الكاتب محمد حسنين هيكل عندما قابل الخميني في باريس عام 1979، وقال له “إنّني أسمع دويّ مدافعك، لكنّي لا أرى أثراً لمُشاتك”.
من ثم أشار الكاتب في فصل عنوانه “طهران: من يحكم من؟” لمشاهداته التي وثّقها أثناء تجواله خلال الشهر الأوّل من الثورة، متحدثاً عن صور رموز النضال ضد الحكم الشاهنشاهي وهي تتموضع على جدران الشوارع في العاصمة، كما تحدّث عن دور أئمة المساجد في ذاك الوقت، ثم غاص في تفاصيل التركيبة السياسية والحزبية التي تشكلت في إيران بعد الثورة، معدداً أهم التيارات الليبرالية واليسارية والدينية، كما دخل في تفاصيل التركيبة العسكرية في البلاد وشرح كيف دُمجت لجان الثورة مع المؤسسة العسكرية، وتفاصيل الصراع الذي حدث داخل هذه المؤسسة.
لم ينسَ هويدي أن يمرّ بمرحلة الحرب العراقية الإيرانية، والفلسفة الكربلائية التي انطلقت منها إيران في خوضها لتلك الحرب، كما لفت لمسألة السلاح الأميركي الذي حصل عليه الإيرانيون في ما بات يُعرف بفضيحة “إيران – كونترا” في عهد الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان.
ينهي هويدي “إيران من الداخل” بالتطرّق للعديد من المواضيع الثانية، كمسألة فرض الحجاب والخطاب السياسي في صلاة الجمعة، والثورة الثقافية والتلفزيون والأدب، وعرّج بعدها على وضع الطائفة السنّية في إيران، معتبراً أنّ هناك إرث ثقيل بين السنّة والشيعة تراكم على مدار السنوات.
واختتم بفصل بعنوان “الفلسطينيون بين الحلم والحقيقة”، ونوّه لدور بعض رجال الدين في التصدي للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وتحدّث عن مقترح للمرشد الحالي علي خامنئي قدّمه لمجلس قيادة الثورة، لمنح الفلسطينيين إحدى جزر الخليج الثلاث كي يتولوا إدارتها والاستثمار في حقولها النفطية بهدف توفير الدعم اللازم لثورتهم، لكنه رُفض في البرلمان بسبب معارضة رئيس الوزراء الأسبق مهدي بازرغان.
يضيء هذا الكتاب في فصوله المختلفة على إيران ما بعد الثورة دون أن يتجاهل جذورها القادمة من عصور سبقت الثورة الإسلامية، ويحاول تقديم تحليل للعناصر ساهمت كثيرا في بناء الجمهورية ونظام الحكم فيها.

اترك رد