تحليل

ما بين ذيل الأسد وعواقب التاريخ: إلى أين سيقود خطاب التصعيد المتبادل بين واشنطن وطهران؟

خاصجاده ايران

تطورات التصعيد:

توالت، خلال الأسبوع الماضي، التهديدات المتبادلة بين المسؤولين الإيرانيين والأمريكيين، وذلك على خلفية التصعيد الحاصل بين الطرفين منذ انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي مطلع شهر أيار/ مايو الماضي.

موجة التهديدات المتبادلة، بدأها الرئيس الإيراني حسن روحاني، عندما هدّد نظيره الأمريكي بالقول إن الحرب مع بلاده ستعتبر أصلًا لكل الحروب. لم يكتفِ روحاني بذلك، بل حذّر الرئيس الأمريكي من “اللعب بذيل الأسد” في دلالةٍ على التحذير من استفزاز إيران.

في المقابل، سارع ترامب إلى الرد على روحاني بتهديد مماثل، حذره فيه من التجرؤ مرة أخرى على تهديد الولايات المتحدة، ونصحه بالاحتراس لأن الإقدام على تهديدٍ كهذا “سيستجلب على إيران عواقب لم يختبرها سوى قلّة عبر التاريخ”.

تصريحات ترامب لم تدفع المسؤولين الإيرانيين غلى التراجع عن لهجتهم التصعيدية، فسارع أكثر من مسؤول سياسي وغسكري إلى الرد، وكان التصريح الأبرز شكلًا ومضمونًا لقائد قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني، اللواء قاسم سليماني، الذي أكد بأنه الشخص المخول إيرانيًا بمواجهة التهديدات الأمريكية، بصفته الجندي الميداني على الأرض، والذي يعتبر أن فيلقه “المنتشر في المنطقة” بمثابة الندّ الحقيقي للقوات الأمريكية المنتشرة في عموم المنطقة.

وبالرغم من أن التصريحات التصعيدية بين طهران وواشنطن لم تهدأ منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، إلا أن الموجة الأخيرة من التصعيد في الخطاب المتبادل، اكتسبت أهمية كبيرة لكونها جاءت بعد تهديدات أمريكية بفرض عقوبات على طهران تؤدي إلى “تصفير عدّادات نفطها المُصدّر للخارج”، وقد نتج عن تلك التهديداتِ تهديداتٌ إيرانية بوقف تصدير النفط إلى العالم، إن مُنعت إيران من تصدير نفطها؛ نتيجة تلك العقوبات التي تتوعد بها الإدارة الأمريكية.

ما بين التهديد والتهديد المتبادل، يسأل المراقبون هل إن هذه التهديدات ستخرج عن حدود التصريحات الإعلامية إلى مستوى الميدان؟ وإذا وصلت الأمور إلى الميدان فهل سنشهد صراعًا مباشرًا ما بين الخصمين اللدودين؟ أم أنّه سيكون صراعاً بالوكالة؟ ويسأل البعض أيضاً إلى أين سيمتد هذا الصراع؟ هل سيبقى محصورًا في المساحة الجغرافية الحيوية المحيطة بإيران؟ أم أنّه سيمتد إلى جغرافيا برية وبحرية أوسع وأكبر على في المنطقة أو ربما العالم؟ يعززّ تلك الأسئلة قول سليماني لترامب إن قواته في فيلق القدس ستخرج للأمريكيين من حيث لايتوقّعون.

المحددات المؤثرة التصعيد:

لا يمكن الخوض في توقع سيناريوهات الإجابة على تلك الأسئلة، من دون الوقوف عند بعض المحدّدات الداخلية والخارجية بالإضافة إلى المحددات التاريخية التي تحكم سلوك الطرفين تجاه بعضيهما.

أولا: المحددات الايرانية

المحدّد التاريخي: العلاقة مع أمريكا من جهة إيران تحكمها اعتبارات عدة منها القديم ومنها الجديد، وكلاهما مرتبطان بالذاكرة الجمعية للشعب الإيراني الذي لم ينسَ قديماً الدور الأمريكي في إسقاط حكومة مصدق عام ١٩٥٣م، كما أنه لم ينسَ جهود أميركا ومعها (إسرائيل) في إنشاء جهاز السافاك سيء السمعة، وكذلك لم ينسَ وقوف أمريكا الي جانب صدام حسين في الحرب العراقية الإيرانية، إضافة الى الدعم العلني والسري الذي ما زالت أميركا تقدمه لما يعرف بمجاهدي خلق؛ او المنافقين وفق التسمية المحلية الايرانية.

المحدّد الداخلي: توجد العديد من العوامل والجهات الداخلية التي تتحكم بشكل العلاقات مع واشنطن، واحتمالات التفاوض أو الاشتباك معها. فالمرشد الإيراني آية الله علي خامنئي يبدي تحفظا على العلاقة مع أميركا، ويؤكد دائماً عدم ثقته بها، ويبني خامنئي هذا الموقف على ما يقول إنها تجارب تاريخية سيئة بين أميركا والجمهورية الإسلامية، وقد بدأت أغلب الأطراف الداخلية الإيرانية الاقتراب أو الالتحاق بموقف خامنئي.

رئيس الجمهورية روحاني من أبرز هؤلاء. هو الذي تفاوض مع الأميركيين ووقّع الاتفاق النووي مع أمريكا والغرب، كان أول المقتربين من موقف خامنئي؛ من خلال تهديداته التي أطلقها في مواجهة الضغوطات الأمريكية، بعدما كان إلى فترة سابقة يقود إتجاها معتدلا يرى في الانفتاح على الغرب مفتاحا لحلّ مشكلات إيران ولا سيّما الاقتصادية والسياسية منها.

أما التيار الإصلاحي، وعلى رغم توقيع مجموعة من الشخصيات البارزة فيه عريضةً تطالب بفتح مفاوضات مباشرة مع أميركا، إلا أن هذا المنحى واجه رفضا من أعلى قيادة اصلاحية وهي الرئيس الأسبق محمد خاتمي، الذي أصدر بيانا وصف فيه التفاوض مع أميركا في مثل هذه الظروف بالعار.

أما الحرس الثوري وجماعة المحافظين والأصوليين، فهؤلاء يمكن اعتبار مواقفهم تحصيل حاصل؛ تنحاز في الغالب الى صف المرشد السيد خامنئي، وتتبنى مواقفه من حيث المبدأ والتفصيل.

المحدد الخارجي: يمكن حصر المحدّدات الخارجية في عدة جوانب أهمها: عدم رغبة طهران في إشعال فتيل الحرب، ولا في تحمّل مسؤولية التصعيد من جانبها أمام المجتمع الدولي، لأنّ ذلك من الممكن أن يكلفها خسارة ما حقّقته من اتفاقها النووي، الذي وإن لم يمنحها مكتسبات اقتصادية كبرى، فقد أعطاها مشروعيةً لتلعب الدور كقوة إقليمية في عدد من ملفات المنطقة، وأصبحت بذلك تجلس على طاولات الحوار مع الغرب، واستطاعت أن تحقق التوازن لصورتها أمام المجتمع الدولي؛ وهي الصورة التي كانت شيطانية بالكامل قبيل الاتفاق، فتحسنت بعده رغم التحفظات على سلوكها الإقليمي. وانطلاقا من هذا المتصوّر، من الصعب على إيران تكون الطرف الذي سيشعل الفتيل، لكن عند وصول الأمر إلى نقطة الاضطرار فإن هذا المحدّد لن يكون مهماً بالنسبة للإيرانيين.

ثانيا: المحددات الامريكية

المحدّد الداخلي: في الحديث عن المحدّدات الداخلية المؤثرة في السلوك الأميركي المتوقع تجاه إيران، خلال الفترة المقبلة، يمكن الإشارة إلى مسألة مهمة على المستوى الداخلي الاميركي، وهي انتخابات التجديد النصفي في الكونغرس الأمريكي، التي يسعى فيها الحزب الجمهوري للحفاظ على أغلبيته، كما أن ترامب يحاول من خلاها إبراز نفسه زعيمًا للولايات المتحدة، مستفيداً أيضاً من تجربته الناجحة كأول رئيس أمريكي يدخل في حوار إيجابي ومباشر مع زعيم كوريا الشمالية.

المحدد الخارجي: هناك عدة عوامل خارجية، تبدأ من ضمان أمن حلفاء واشنطن في المنطقة، وتلبية طلباتهم فيما يتعلق بالحد من الخطر الذي يقودهم تشخيصهم إلى أنّ طهران تشكله عليهم من خلال تعاظم دورها الإقليمي، ودعمها لجماعات تشكل خطرًا على إسرائيل ودول الخليج . إلّا أن أميركا يهمها أيضا ألا يؤثر أي سلوك لها مع ايران على أمن الطاقة في المنطقة، وعلى استقرار الأنظمة التي تدور في فلكها. كما أن واشنطن تحرص على ألا يكون لسلوكها ضد إيران أثر عكسي يؤدي الى تكتل المجتمع الإيراني ونخبه خلف موقف واحد يعاديها.

السيناريوهات المتوقعة للتصعيد:

وبناءً على تلك المحددات الداخلية والخارجية لدى الطرفين، فإن شكل العلاقة المنتظرة بين الطرفين الأمريكي والإيراني تتمحور في ثلاث سيناريوهات:

1- السيناريو الأول: الصدام المباشر بين الطرفين

تبدو حظوظ هذا السيناريو مستبعدة إلى حدٍّ ما، وذلك لعدة أسباب؛ منها العوامل الميدانية والدولية التي ستنعكس بالضرورة على الأسواق العالمية، إضافةً إلى أن إيران تدرك كما الولايات المتحدة؛ ان للصدام نتائج ستكون مدمرة للمنطقة ولإيران كدولة، وللأمن الإقليمي الذي لن يجد من يعيد بناءه. من الجانب الآخر، يكمن استبعاد سيناريو الصدام المباشر في إدراك الأطراف الدولية لطبيعة التداعيات الكبرى التي تنتظر العالم نتيجة هكذا سيناريو. فمثلا، موجة الهجرة والنزوح الجديدة ستتخطى بأشواط ما وقع في سوريا؛ إذ أن المواجهة لن تعني ايران فقط، بل كل من يدور في فلكها الإقليمي، لبنان واليمن والعراق وسوريا. كل هذه النقاط الإقليمية لن تبقى هادئة. وبناء عليه، حتى شكل الصراع في حال وقوعه لا يمكن التنبؤ به بسهولةفماذا عن اسرائيل وجنوب لبنان؟ وماذا عن الاراضي الفلسطينية؟ والجولان؟ وسوريا؟ والقواعد الأميركية في المنطقة؟.

2- السيناريو الثاني: التسوية او رفع السقوف للجلوس على الطاولة لاحقاً

 في العام 2012 كانت الظروف معقدة جداً، وإيران كانت تحت وابل من العقوبات، وفي المقابل كان رئيسها أحمدي نجاد يرفع السقف،   الوقت الذي كانت فيه عمُان تشهد أولى محاولات فتح قنوات الاتصال من جانب واشنطن، على يد رئيس لجنة العلاقات الخارجية السابق في الكونغرس الأميركي جون كيري، الذي أصبح لاحقا وزيرا للخارجية وَقّاد المفاوضات. ولذلك السؤال الذي يجول الْيَوْم في ذهن الكثيرين هو: هل هناك من وسطاء يتحضرون للقفز داخل المياه وإخراج الطرفين الى الشاطئ؟ قد لا نشهد تسوية كبرى، لكن على الأقل ربما نرى مقايضات تمهد الطريق لهدنة. مع ذلك ورغم ما يروجه الايرانيون دوما، عن ان ترامب تاجر ورجل صفقات، تبقى ايران ملفا متعدد الأوجه بالنسبة للادارة الأميركية .

3- السيناريو الثالث: استمرار الأمر على ما هو عليه مع مزيد من الصغوطات والعقوبات

  قد يأخذ هذا السيناريو المشهد نحو حرب بالوكالة تشهدها اكثر من ساحة، حيث من الممكن أن تُهاجم المصالح الأميركية أو القوات الأميركية كما في سوريا والعراق وأفغانستان. هذا السيناريو يبقى غير مستبعد، وربما يبقى مرجحاً أكثر من غيره، إذا تم ربطه بعدة أحداث في المنطقة وعدة تصريحات وردت خلال الأيام الماضية، أهمها الضربة التي وجهها الحوثيون إلى البارجة السعودية في مضيق باب المندب التي أعلنت على إثرها السعودية وقف تصدير النفط عبر هذا المضيق الحيوي، علماً أن هذا الحدث جاء بعد أسابيع قليلة من الضربة التي وجهها الحوثيون أيضاً للمقر الرئيسي لشركة تصدير النفط السعوديأرامكو“. كلّ هذه الاحداث على شواطئ البحر الأحمر ومضيق باب المندب جاءت في ظل تصريحات إيرانية على لسان الرئيس روحاني والجنرال سليماني. فروحاني أكد أن مضيق هرمز لن يكون بالضرورة ساحة التنفيذ لتهديدات إيران، حول وقف تصدير النفط للعالم، بل إن إيران لديها القدرة على تنفيذ هذا التهديد عبر أكثر من مضيق كما قال، أما الجنرال سليماني فأشار في تهديداته إلى أن البحر الأحمر أصبح اليوم غير آمنٍ بفعل السلوك الأمريكي في المنطقة.

 

تقدير الموقف:

من المتوقع أن يستمر التصعيد الكلامي بين واشنطن وطهران في الفترة المقبلة، ولكنّ هذا التصعيد سيبقى محصورا في مستوى التصريحات والخطاب، ولن يتطور إلى حرب ساخنة، لا مباشرة ولا غير مباشرة. الطرفان يدركان ارتفاع كلفة هكذا مواجهات، ويدركان رفض المجتمع الدولي لمثل هذه المجازفات.

تعرف واشنطن أكثر من غيرها الموقف الروسيالأوروبي الرافض لتدهور الأوضاع، في الوقت الذي تريد فيه واشنطن الخروج بمكاسب تسمح لترامب بالاستفادة منها لاحقا مع حلفائه من جهة، وفِي حملته التي ستبدأ العام المقبل للبقاء في البيت الأبيض. أما طهران فتريد الإبقاء على مكتسباتها الدولية و الإقليمية، مع الاستعداد لتقديم تضحيات غير مؤلمة، لا سيما فيما يتعلق بالمطالب الأميركية المباشرة، لا تلك المنقولة أميركيا عن إسرائيل بالدرجة الأولى وعن السعودية بالدرجة الثانية.

اترك رد