أدب فارسي مترجم

من سلسلة “آدم ها” الايرانية المترجمة الى العربية، القصة الأولى: السيد وفا

خاص جاده ايرانديانا محمود

عنوان القصة// السيد وفا

يتقدم السيد وفا كرش بحجم البطيخة، تتهدل من كتفيه يدان طويلتان نحيفتان، رجليه كعودي كبريت وساقي بنطاله قصيرتان، طرف جسده العلوي أطول من السفلي يعلوه رأس أصلع من الوسط محفوف بحلقات شعر مجعدة ترسم الحدود بين الرقبة والرأس.

زوجته الست فايزة وجهها مدور وجسدها ضخم جداً، عندما تلف عبائتها على وسطها لتغسل أرض الدار يفر الأولاد من أمامها ويتوقفون عن لعبهم بالكرة، السيد وفا بائع متجول بسیط ويخاف مثل الكلب من زوجته، أغلب الأيام عند المغيب يتدحرج السيد وفا من منزله خارجاً وصوت امرأته تصرخ: “مذنبة أنا كتير حتى عندي هيك زلمي”، ودون أي صوت يسقط السيد وفا أمام منزله ويجلس على الأدراج أمام الباب ورأسه الأصلع إلى الاسفل ملاعبا أصابعه لساعات، ثم تخرج الست فايزة بعد حين معتصرة القلب على زوجها تربت على ظهره بالمكنسة قائلةً: ” قوم نام وفا قوم”.

فينهض السيد وفا ليعبر متسلّلاً شق الباب، ولربما كان أفضل ايام حياة السيد وفا عندما تشاجر أبي مع الست فايزة، التي أدلت بكل مافي فمها، فيما بقي أبي نفسه صامتا إلى ان رد عليها “مشان هالزلمي مارح احكيكي ولا كلمة”، برغم ذهول الست فايزة وجمود الدم في عروقها إلا إن صراخها ملأ الحي “مين هو الزلمي ..هلأ هادا وفا زلمي إي احترم حالك لكن.”

إلى جانب هذا الصراخ وقف السيد وفا مطأطئ الرأس، يختلس نظرات نشوة نحو أبي تجوبها محبة واحترام خاص، تطعن به الست فايزة بطرف مكنستها تحت رشق وابل لعابها، صارخة: “مسود وجهي وين ماكان”، تبع السيد وفا زوجته نحو منزلهما، فيما كان أبي يضحك، لم أصدق أن غضبه زال دفعة واحدة “عطيناها حقها” تقدير أبي للسيد وفا كان تحقيراً لزوجته، وربما هذا ماقصده أبي من كل هذه المشكلة فمن المستبعد أن يتشاجر أبي مع الجيران من أجل لعبة طابة.

كان أبي رجل رحوم مسالم، رحمه الله، لكن مافعله بالست فايزة جعلها تزداد وحشية فأصبحت ترمي السيد وفا خارج باب منزلها حتى أيام المطر فتراه يضع كيسا بلاستيكيًا في رأسه ويمضي مترنحا على الرصيف تحت سقف الجيران، أحيانا كنا نتحدث مع بعضنا البعض كي يستمع إلينا ولايمل بمفرده ثم ننسحب واحد تلو الآخر نحو دروسنا ووظائفنا المدرسية ليبقى وحيدا مرة ثانية.

كانت الأمطار تهطل بشدة والسيد وفا جالس حزين على طرف الرصيف، كنت انظر إليه من خلف النافذة، حتى ظهرت الست فايزة بعد ساعة أو ساعتين من بين دفتي الباب وبدون أن تفتح فمها يدخل السيد وفا بيته منهياً العقوبة، كنت انتظره ليرفع بعينه نحويّ أثناء عبوره للشارع لأطمئن وأعود إلى المدفئة.

في أحد الأيام الماطرة وبينما كان السيد وفا يمضي في الزقاق عقوبة نفيه من المنزل فتح باب في حارتنا وخرجت جارتنا الست رعنا وبيدها كأس شاي ساخن يرسم ببخاره لونا جديدا لوحشة الرصيف وقدمته للسيد وفا بهدوء.

منذ سنتين ورعنا تسكن مع أمها بعد طلاقها من زوجها، كانت المرة الأولى التي أرى فيها شفاه السيد وفا تتحركان بشغف وحرارة في حديث قصيرمع الست رعنا، لا أعلم عما كان يدور هذا الحديث، رأسه غالبا نحو الأسفل لاينظر في إي اتجاه.

وحينما كان السيد وفا يدفع بكأس الشاي إلى خلفه مخفياً إياه فيما تسرع يد أخرى وتخفي صينية الشاي كنت أعلم إن باب الست فايزة قد فتح وحان الوقت لعودته من منفاه وبسرعة، يجتاز الزقاق مرسلاً ابتسامة ليّ كطفل سارق وكأنه يخفي بإشارة سريعة سراً بيننا نحن الثلاثة. يومياً كانت الست رعنا تجلس خلف باب بيتها تُحدث السيد وفا، نادراً ما كنت ارى الست رعنا لحذرهما الشديد وخاصة عندما كانت الست فايزة تفتح باب بيتها معلنةً انتهاء العقوبة.

لم يكن يقوى قلب السيد وفا على ترك الست رعنا إلا إنها كانت تجبره على النهوض بسرعة والاتجاه نحو منزله حتى بدون النظر نحوي.
فرحة السيد وفا الجديدة ابعدت عن قلبه هموم عقوبات الست فايزه إلا إنها سرعان ما شكت بالإمر وكشفته. ففي أحد الأيام تقدمت الست فايزة وسط الزقاق معتصرةً عبائتها حول وسطها ومقتحمةً خلوة السيد وفا ورعنا منتشلة جدائل الست رعنا من خلف باب عشقه، راميةً إياها في الطريق معلنة الحرب عليها “يا سراقة الرجال”.

ما كان من رعنا إلا أن تبكي وتستنجد وتقسم إنها على خطأ إلا إنّ أذني الست فايزة كانتا خارج الارسال إلى أن قدمت مجموعة من النسوة وأنقذن رعنا من براثن فايزة التي التفتت نحو السيد وفا لتبدأ جولتها الثانية برمية بحذاء استقر في منتصف وجهه”…. انقبر عالبيت صرت زلمي يا فار”

وفجأة خرج أبي صارخا بها: “بيكفي بقى سودتي وجه الحارة كلها” صمت الحي بسكوت الست فايزة لينهدر بعده بغضها ممزوجا ببكاء طفولي متقطع اختفى خلف جدران بيتها، بعد أسبوع رحلت الست رعنا من الحارة وعاد الهدوء من جديد.

ومضت الأيام و ظهر السيد وفا امام بيته جالسا، تحاول الست فايزة اعادته الى الداخل دون جدوى، اظلم الليل ولم يدخل وفا بيته برغم كل محاولاتها. وقف وفا يجر حذائه حتى آاخر الزقاق ثم عاد إلى باب بيته، مرة مرتين ثلاثة مرات، ثم انعطف من الزقاق خارجا منه دون عودة والى الابد.

البعض قالوا عاد الى قريته ، وآخرون قالوا أخفى وأفنى نفسه، أبي تمنى من الله إن يكون بصحبة الست رعنا في مكان ما.
مهما كانت النهاية فإن السيد وفا خرج ولم يعد، الست فايزة تجلس كل مساء أمام باب بيتها وتحدق في آخر الزقاق حتى المغيب لعل السيد وفا يطل برأسه من جهة ما، وعندما تمل من الانتظار تمسح عينيها وتتسلل إلى بيتها بهدوء.

One comment

اترك رد